Skip to main content
Submitted by Maryam Nazek on October 15, 2020

مهند غازي وقت الفراغ.. ثقب في مشروعنا الثقافي 

 

د. مهند غازي الزامل
كانت النُّقطة الأكثر إثارة وأهمية في الجدلِ الثقافيّ الدّائرِ حَوْلَ «المشروع الثقافي الحضاريّ» هيَ نُقطة ُالبدْءِ، أعني «وصيفِ مفهومِ أزمةِ الثقافية المعاصرة»، وهو أمرٌ طبيعِيّ لأيِّ جُهدٍ عقليٍّ جادٍّ، يبحثُ عن طريقِ للخلاص، ولكن؛ رَغْمَ التراثِ الجيِّدِ والمعقول: سَعةً وعُمقًا، في تناولِ هذه النقطة والتركيز عليها، إلا أنّه يُؤخذُ عليه غياب التكامل في الجُهدِ النّاقدِ، أو الفاحصِ، أو المتأمّل في أزمة الأمة الثقافية، إلى الدّرجة التي تحتملُ منّا القولَ، بأنّ النّظرات الثقافية الجديدة إلى «أزمة الأمة» كانت تنزعُ إلى «الأحادية» في أبعادِ الرُّؤية وزوايا النّظر إلى الموضوع.
لقد ركّزت بعض الجهود الفكرية على إثارة موضوع «الثقافة» وضعفها في الشخصية الحديثة، والخللِ في أفهام كثيرٍ من العامة تجاهها، وأضاف بعضُ أنصار هذه الزاوية مسألة التشويش الذي أحدثته انحرافاتِ بعض التيارات الثقافية، طوال سنينَ ماضية، ورأت – من ثم – أنّ الحلَّ يَكْمُنُ في مواجهة ونقدِ هذا الانحراف الثقافيّ.
بينما اتَّجهت أبحاث ومجهوداتٍ أخرى إلى عكسِ هذه الرؤية لأمة الأمة الثقافية، طارحة ًتصورًا جديداً للأزمة، يتمثّل في «ضعفِ الإرادة»، وغيابِ «الفاعلية» عن النشاط الثقافي العام، ومن ثمّ يُصبح الجُهد الثقافي المطلوب؛ ليس في تعليم الناشئة ثقافة أصالتهم، هم يحملونها ابتداءً، وإنّما المشكلة هي : كيف أردُّ إلى هذه الثقافة فاعليّتها الاجتماعية!؟
وثمّة مجهوداتٍ أخرى ترى أنّ أزمة الأمة الثقافية تتمثلُ في «جروحها الفكرية»، وترى أنّ الخلل الأساسي يتمثلُ في الجمود الذي أصابَ النشاط العقلي الثقافيّ حين توقفَ عن العطاء المتجدد، ثم حين اقتُلِعَتْ أبوابه ونوافذه؛ ليُصبح في مهبِّ الريح الفكري والثقافي الغربي الذي أصبح يُشكِّلُ الكثير من مفاهيمنا، ويصوغ تصوراتنا وقيَمنا، ومن ثمّ يرى أصحابَ هذا الاتجاه؛ أنّ الأزمة الفكرية تصلُحُ تفسيرًا مُقنعًا لكُلِّ ما نلحظه من اضطرابٍ ثقافيٍّ وفقدانٍ للهوية، واختلالٍ في المفاهيم، وازدواجيةٍ في التعليم، وتشوُّشٍ في الأهداف، وعَجزٍ في الأنظمة والمؤسسات، وشللٍ عن استعمال الإمكانات، وتنظيم الوسائل والاستفادة منها.
فلم يَعُدْ من قبيل الطُّرفة، أو من قبيل المبالغات الفكريّة البعيدة، ذلك التوصيف الجديد للثقافة المعاصرة، بأنّها «ثقافة وقتِ الفراغ» فإذا نظرنا إلى أنّ نِصْفَ الفعالية الإنسانية في المجتمع المعاصر تقوم – أساسًا – على وجودِ «وقت الفراغ» حيثُ يتسعُ نطاق النشاط الخدمي بصورةٍ عظيمة، إضافة إلى أنّ النَّصْفَ الآخر» الإنتاجي» يعتمد في حركيّته الاجتماعية على فرضيّة وجود «وقتِ الفراغ» لأنّ النشاط الإنتاجيّ يُصابُ – حَتمًا – بالشلل والانكماش، إذا لم تواكبه حركة استهلاك نشيطة، وهو الأمر الذي يعتمدُ بالدّرجة الأهمّ على وجود «وقتِ الفراغ» الذي يسمحُ للجمهور بالتّسوُّقِ والشراء ونحوه... فالفراغُ قاتلٌ، وهو عينُ الانتكاسة...

 

 

 

 

المصدر: الدستور 

News Category
Image